محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
406
شرح حكمة الاشراق
ثمّ إنّ هؤلاء ، المشّائين ، اعترفوا ، لأنّ اليابس هو الّذى لم يقبل التّشكّل وتركه بسهولة . وليس ما عند الفتيلة كذا ، بل يقبل بسهولة . وكذا ما يقرب من الفلك . لقربه ممّا عند الفتيلة فلا يفارق ، ما عند الفتيلة والفلك الهواء إلّا في حرارة مختلفة في الشّدّة والنّقص ، فهو هواء حارّ . وإن فسرّت اليبوسة بعسر الاتّصال بالغير وسهولة النّفوذ ، فلا شكّ أنّ النّار يابسة بهذا المعنى ، لكنّ الهواء أيضا كذلك ، وإذا كان كلّ ما يلزم النّار يلزم الهواء ، وجب أن يجعلا عنصرا واحدا مختلفا حرارته ( 205 ) بالشّدّة والضّعف . وما يقال : « إنّ النّار يابسة ، لتجفيفها الأشياء » الملاقية لها أو القّريبة منها ، ليس بحسن ، فإنّ التّجفيف إنّما هو لإزالة الرّطوبة ، وإزالة الرّطوبة إنّما هي للتّلطيف والتّصعيد ، لا بأن تكون هي يابسة ، بل بأن تكون هي حارّة ، فإنّ التّلطيف والتّصعيد من شأنه الحرارة ، لا اليبوسة . وليس أنّها ، أي النّار ، تفنى الرّطوبة ، أي عن مادّة نفسها بشدّة حرارتها ، فتصير لذلك يابسة ، بل على قاعدته ، قاعدة هذا القابل إذا حلّلت موادّها بالتّحليل ، تجعلها أرطب ، لأنّها تصير بخارا أو هواء ، فتصير أشدّ ميعانا : فالأصول ، أصول العنصريّات ، ثلاثة : حاجز ومقتصد ولطيف . واعلم أنّ اللّطيف ، أي الهواء وما يجرى مجراه في اللّطافة كالأبخرة والأدخنة الرّقيقة ليس من شرطه كمال الحرارة ، حتّى يكون كلّ ما هو هواء وما يجرى مجراه شديد السّخونة وتزيد الحرارة بازياد اللّطف ، ويكون اللّطيف أشدّ سخونة من الكثيف ، لبطلان التّوالى ، لاختلاف أجزاء الهواء في الحرارة والبرودة ، ونقصان حرارة الأبخرة والأدخنة بازياد اللّطف والبعد عن الأرض ووجدان الكثيف أحرّ من اللّطيف . وإليه الإشارة بقوله : فإنّه بعد اللّطف قد تقلّ فيه ، الحرارة ، وأيضا ، فمن الماء ما هو أشدّ حرارة من الهواء محسوسة ، وإذا كان كذلك فيجوز أن يختلف الهواء في الحرارة والبرودة ، ولهذا يختلف ما عند الأرض فيهما بسبب كثرة انعكاس الأشعة وقلّته ، وكذا ما عند الفلك بسبب سرعة حركة وسطه ويطؤ حركة طرفه ، وهو ما